| x
التلاوة في القرآن
إذا تتبعنا موارد استعمال مادة «التلاوة» في القرآن فسنجد:
أ- أن التلاوة من مهمات الأنبياء "عليهم السلام" المكلفين إخراج الناس، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [1] . وقال تعالى مبيّناً سنة من سننه التي لا تتخلف: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ [2] . فنحن إذاً أمام مهمة لا يتمكن من أدائها إلا المعصوم، وهو النبي في المقام، الذي يباشر فعل «الهداية» بأمر الله، قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [3] . ولا يعقل أن تكون هذه المهمة الخطيرة مجرد «قراءة».
لذلك نقول: إنها تعني «الاتباع» في الدرجة الأولى و«القراءة» في الدرجة الثانية، وإن كانت هذه تتقدم على تلك في الشكل، أي أننا نقرأ أولاً لنتبع ثانياً.
ب- أن «التلاوة» تعني التطبيق تارة والطريق إليه تارة أخرى، قال تعالى على لسان خليله إبراهيم "عليه السلام" : ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكِيمُ ﴾ [4] ، ليلحقه بامتنان منه تعالى بالمضمون نفسه في السورة نفسها «البقرة:151» وسورة «آل عمران :164». ومن المؤكد أن الرسول "ص" لم يكن دوره يقف عند حدود «قراءة آيات القرآن» وإنما تجسيد تلك الآيات في ذاته على مستوى الرؤى والأفكار أولاً، والمشاعر والعواطف ثانياً، والسلوك العملي ثالثاً. ولعل هذا المعنى يتأكد إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ ويعلمهم الكتاب ﴾ إنما هو تفسير لـ ﴿ يتلو ﴾ وليست شيئاً آخر لتكون هذه الجملة بياناً والواو للعطف البياني.
ويمكن تدعيم هذا التفسير لـ «التلاوة» بـ:
1- قوله تعالى: ﴿ رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَات لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ﴾ [5] فالآية الكريمة تحدد دور النبي "ص" وتلاوته بإخراج المؤمنين والعاملين للصالحات من الظلمات إلى النور، وواضح أن ذلك لا يكتفى فيه بمجرد «القراءة» التي يمكن، نظريا، أن يتولاها غير النبي ، وإن قلنا إن لقراءته خصوصيات لا يشاركه فيها غيره.
2- قوله تعالى خطاباً لنساء النبي "ص" : ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ [6] الذي يعني أن الحجة عليهن ألزم باعتبارهن يعشن في بيت تتلى فيه آيات الله. وكلنا يعلم أن التلاوة بمعنى القراءة ليست من مختصات بيت النبي "ص" لأن بيوت المسلمين عادة يقرأ فيها القرآن. ولذلك لا يكون الامتنان على نساء النبي "ص" وجيهاً إلا إذا حملنا ﴿ يتلى ﴾، هنا، على «التطبيق والتجسيد» الذي يصح القول إنه، بمعناه الشامل، خاصٌّ ببيت النبي "ص" الذي هو بيت الطهارة والعصمة. ومن ثم جاز أن تكون العقوبة لمن حظي بمثل هذه الرعاية مضاعفة لو وقعت منه المعصية، قال تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾ [7] ، ملحِقاً إياه بقوله: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ ﴾... مؤكِّداً أن هذا التميز ليس مطلقاً بل مشروطاً بـ ﴿ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ [8] الذي يعني التجسيد تأسياً بالرسول "ص" من خلال التزام ما أمر الله وترك ما نهى عنه ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ [9] .
وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق "عليه السلام" في قوله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ [10] ، قال: يرتلون آياته، ويتفقهون به، ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه. ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سوره، ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ [11] .
وننتهي إلى القول إن «التلاوة» بمعنى «القراءة» استحبت شرعاً لتكون طريقاً إلى التفاعل مع أوامر القرآن ونواهيه ليحصل التكامل بين المرسل/ الله، والمتلقي/ العبد، من خلال الرسالة/ القرآن، عبر النبي/ الرسول "ص" ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكِيمُ ﴾ [12] ، وليكون ذلك سبيلاً لتحقيق الإيمان أولاً والعمل الصالح ثانياً لتكون النتيجة نيل ﴿ جَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [13] .
وفيما عدا ذلك يمكن أن يقال إن القرآن أصبح «مهجوراً»، بمعنى تعطيل دوره الذي أنزل من أجله، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، إذ فُرِّغ من محتوى دوره الوظيفي، الذي يبينه ربيب القرآن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" بقوله: كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله وهو تفصيل لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ [14] . والهجران لا يتنافى مع ما يمكن أن يحصل من مبالغة في الاهتمام الشكلي بـ «التلاوة» في حدود القراءة المجردة، إذ «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه» لأنهم قد يقرأونه من دون أن «يتجاوز تراقيهم». وإذا تحقق معنى الهجر فسيكون القرآن خصماً يشكو له رسول الله "ص" قائلاً ﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [15]
|